
أثارت التوترات المستمرة في الشرق الأوسط قفزات قياسية في أسعار النفط العالمية، لتسجل أعلى مستوياتها منذ نحو أربع سنوات، ما أثار مخاوف بشأن ضغوط تضخمية على الاقتصاد الأميركي.
ووفق بيانات جمعية السيارات الأميركية (AAA)، ارتفعت أسعار البنزين والديزل بمقدار 65 سنتاً و1.13 دولاراً للغالون على التوالي منذ بداية النزاع، ويُعد الاقتصاد الأميركي اليوم أقل تعرضاً لصدمات النفط مقارنة بالعقود السابقة، إلا أن أي اضطرابات طويلة الأمد قد تثقل كاهل الشركات والأسر التي تواجه بالفعل تكاليف مرتفعة.
وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الأسواق الأميركية بدأت تظهر بعض علامات التوتر مع استمرار الصراع، في وقت تستفيد فيه بعض الشركات والقطاعات الأميركية من ارتفاع الأسعار.
النفط يربح.. والطيران والزراعة والمستهلك يدفعون الثمن
وتحولت الولايات المتحدة، بفضل طفرة التكسير الهيدروليكي، إلى واحدة من أكبر منتجي النفط عالمياً، ما يتيح للمنطقة النفطية في غرب تكساس والشركات العاملة فيها فرصة الاستفادة من الأسعار المرتفعة، إلا أن المستهلكين والشركات يواجهون ضغوطاً مباشرة من ارتفاع تكاليف الوقود.
ووفقا لمحللي شركة «تي دي كوين» (TD Cowen) شهد قطاع الطيران، الذي يشكل الوقود جزءاً كبيراً من تكاليفه التشغيلية، انخفاضاً في توقعات الأرباح، ما أدى إلى تراجع أسهم شركات الطيران منذ بداية حرب إيران.
كما تأثرت شركات الخدمات اللوجستية والطبية، مثل «ستراتا كريتيكال ميديكال»، المتخصصة في نقل الأعضاء البشرية، بارتفاع التكاليف التشغيلية، حيث قالت الرئيسة التنفيذية المشاركة ميليسا تومكيل: «إذا شهدنا زيادة في الأسعار، سيتم تمريرها إلى العملاء»، وكذلك بدأت شركة «كونكريت بامبينغ هولدينغز» بفرض رسوم إضافية لتعويض ارتفاع أسعار الوقود، حسبما ذكر الرئيس التنفيذي بروس يونغ.
كما لم يسلم قطاع السيارات الأميركي من التأثير، حيث شهدت شركات مثل «فورد» و«جنرال موتورز» تراجعاً في الأسهم نتيجة ارتفاع أسعار البنزين، رغم محدودية إنتاج السيارات الكهربائية.
ويواجه المزارعون كذلك تحديات من نقص الأسمدة نتيجة تداعيات الحرب، إذ ارتفعت الأسعار في وقت حرج قبل موسم الزراعة الربيعي، وحذر زيبّي دوفال، رئيس الاتحاد الأميركي للمزارعين، من أن عدم التحرك قد يؤدي إلى اضطرابات في سلسلة الإمدادات الغذائية مشابهة لما حدث في 2022.
كيف يدفع المستهلك الأميركي ثمن ارتفاع أسعار النفط؟
تمثل زيادة أسعار الوقود عبئاً كبيراً على الأسر ذات الدخل المحدود، التي تنفق نسبة أكبر من دخلها على البنزين، ويؤثر ارتفاع أسعار الطاقة على تكلفة النقل للسلع والخدمات، ما يرفع أسعار المنتجات في المتاجر وتذاكر الطيران، وبقي معدل التضخم الأميركي أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي عند 2% خلال السنوات الماضية، ويؤكد محللون أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع الأسر لتقليص إنفاقها، ما يضغط على النمو الاقتصادي.
بدورها، قالت بوجا سريرام، كبيرة الاقتصاديين في بنك «باركليز»: «عادةً ما يتأثر إنفاق المستهلكين على السفر والفنادق والمطاعم والإلكترونيات والأجهزة المنزلية عندما ترتفع أسعار النفط لفترات طويلة».
ويقدر «باركليز» أن زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط قد تدفع التضخم الأميركي للارتفاع بحوالي 0.2 نقطة مئوية خلال شهر إلى شهرين، وإذا استمرت أسعار النفط عند 100 دولار للبرميل أو أعلى لعدة أشهر، فقد يرتفع التضخم السنوي إلى 3.5% خلال الصيف، ويغلق العام فوق 3%، مقارنة بتوقعات ما قبل الحرب البالغة 2.7%، إلا ان الارتفاع قصير الأمد سيكون تأثيره محدوداً، بحسب سريرام.
غولدمان ساكس: كل 10 دولارات زيادة في النفط تقلص النمو الأميركي
يقدر «غولدمان ساكس» أن زيادة 10 دولارات في برميل النفط قد تقلص نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بحوالي 0.1 نقطة مئوية إذا استمر هذا السعر المرتفع حتى نهاية العام، وقد يزيد هذا التباطؤ الضغوط على سوق العمل، التي تشهد تراجعاً طفيفاً خلال الأشهر الستة الماضية، بما في ذلك انخفاض قدره 92 ألف وظيفة في فبراير.
كما أن أسواق الأسهم معرضة للخطر، حيث قد يؤدي أي هبوط مستمر إلى تقليص إنفاق الأسر ذات الدخل المرتفع، التي كانت تدعم الاقتصاد في السنوات الأخيرة من خلال ارتفاع قيم الأصول.
وتشير الخبرة التاريخية إلى أن صدمات الطاقة خلال الثورة الإيرانية 1979 وحرب الخليج 1990 ساهمت في ركود الاقتصاد الأميركي بسبب ارتفاع الأسعار، وحذر «بنك أوف أميركا» من أن ضعف استقرار أسعار النفط قد يفاقم المخاطر، رغم أن الأسعار الحالية لم تصل إلى مستويات حرجة.
هل يصمد الاقتصاد الأميركي أمام صدمة النفط؟
يتمتع الاقتصاد الأميركي اليوم بمرونة أكبر تجاه صدمات الطاقة مقارنة بالعقود السابقة، حيث حولت ثورة التكسير الهيدروليكي الولايات المتحدة إلى مصدر صافٍ للطاقة، كما أن تحول الاقتصاد من الصناعات الثقيلة إلى القطاع الخدمي يقلل من تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة.
وفي قطاع الإسكان، انخفضت معدلات الرهن العقاري إلى أقل من 6% في النصف الثاني من 2025، ما أثار توقعات بزيادة نشاط المشترين، إلا أن ارتفاع الأسعار مجدداً بسبب المخاوف التضخمية المرتبطة بالحرب رفع متوسط الرهن العقاري طويل الأجل إلى 6.11% حتى 12 مارس، وفقاً لمؤسسة «فريدي ماك».
ورغم مرونة الاقتصاد الأميركي، فإنه يظل معرضاً لتأثير ارتفاع أسعار النفط الناتج عن النزاع في الشرق الأوسط، إذ إن استمرار الحرب قد يضغط على الأسر والشركات والقطاعات الحيوية، لا سيما النقل والزراعة والسلع الاستهلاكية، ما يبقي مسار التضخم والنمو تحت مراقبة دقيقة من صناع القرار والمستثمرين.
